محمود بن حمزة الكرماني
45
اسرار التكرار في القرآن
المعملية التي توزن على مقادير بالغة الدقة ، ولا تؤتى النتيجة المأمولة منها إذا اختلت هذه التراكيب في جزء من مائة منها . هذا توجيه من توجيهات المكررات القرآنية يمكن أن نتبينه واضحا من قوله تعالى في سورة البقرة : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ « 1 » ، وقوله في سورة المائدة : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ « 2 » . فقوله تعالى على لسان الكفار : بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا لا يمنع أن يرجعوا عن اتباع آبائهم ، فهم لم يبلغوا النهاية في دعوى إيمانهم بالأوثان ، ولهذا استعمل اللّه تعالى في نفى هدايتهم لفظا لا يبلغ النهاية في اليقين وهو قوله تعالى : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً . فإن فوق العقل في اليقين ( العلم ) . أما في المائدة فقد بلغ الكفار النهاية في الاعتداد بالأوثان ، وقطعوا على أنفسهم طريق العودة عنها بقولهم : حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا . ولهذا استعمل اللّه في نفى هدايتهم نفى العلم الذي هو أبلغ درجات اليقين فقال : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً . والدليل على أن العلم أرفع من العقل أن اللّه لا يوصف بالعقل ، وإنما يوصف بالعلم . فهل ترى أدق وزنا لمعاني الألفاظ ، ومراعاة تناسبها من هذا الوزن الحق الذي نزل به القرآن ؟ ؟ ومن أمثلة هذه الدقة الرائعة التي لا تبلغها دقة العالم في معمله ما جاء في قوله تعالى : فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا « 3 » فاستعمل الفاء في عطف النظر على السير ، وهي للتعقيب بلا تراخ بينهما . وقد
--> ( 1 ) سورة البقرة : 170 . ( 2 ) سورة المائدة : 104 . ( 3 ) سورة النحل : 36 .